أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

186

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أنها بمعنى « صرتم » و « كان » تأتي بمعنى « صار » كثيرا كقوله : 1391 - بتيهاء قفر والمطيّ كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 1 » أي : صارت فراخا . الثالث : أنها تامة بمعنى وجدتم ، و « خَيْرَ أُمَّةٍ » على هذا منصوب على الحال أي : وجدتم في هذه الحال . الرابع : أنها زائدة ، والتقدير : أنتم خير أمة ، وهذا قول مرجوح أو غلط لوجهين ، أحدهما : أنها لا تزاد أولا ، وقد نقل ابن مالك الاتفاق على ذلك . والثاني : أنها لا تعمل في « خير » مع زيادتها ، وفي الثاني نظر ، إذ الزيادة لا تنافي العمل ، وقد تقدّم عليه دلائل في البقرة عند قوله : « أن لا نقاتل في سبيل اللّه » « 2 » . الخامس : أنها على بابها ، والمراد : كنتم في علم اللّه ، أو في اللوح المحفوظ . السادس : أن هذه الجملة متصلة بقوله « فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ » أي : فيقال لهم في القيامة « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ » ، وهو بعيد جدا . قوله : أُخْرِجَتْ يجوز في هذه الجملة أن تكون في محلّ جر نعتا ل « أُمَّةٍ » وهو الظاهر ، وأن تكون في محلّ نصب نعتا ل « خَيْرَ » ، وحينئذ يكون قد روعي لفظ الاسم الظاهر بعد وروده بعد ضمير الخطاب ، ولو روعي ضمير الخطاب لكان جائزا أيضا ، وذلك أنه إذا تقدّم ضمير حاضر متكلما كان أو غائبا ، ثم جاء بعده خبره اسما ظاهرا ، ثم جاء بعد ذلك الاسم الظاهر ما يصلح أن يكون وصفا له كان للعرب فيه طريقان : إحداهما : مراعاة ذلك الضمير السابق فيطابقه بما في تلك الجملة الواقعة صفة للاسم الظاهر . والثانية : مراعاة ذلك الاسم الظاهر فيعيد الضمير عليه منها غائبا ، وذلك نحو قولك : « أنت رجل تأمر بمعروف » بالخطاب مراعاة ل « أنت » ، و « يأمر » بالغيبة مراعاة ل « رجل » ، « وأنا امرؤ أقول الحق » بالمتكلم مراعاة ل « أنا » ويقول الحقّ » مراعاة لامرىء . ومن مراعاة الضمير قوله تعالى : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ « 3 » ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ « 4 » ، وقوله : « إنك امرؤ فيك جاهلية » « 5 » . وقول الشاعر : 1392 - وأنت امرؤ قد كثّأت لك لحية * كأنّك منها قاعد في جوالق « 6 » ولو قيل في الآية الكريمة « أخرجتم » مراعاة ل « كُنْتُمْ » لكان جائزا من حيث اللفظ ، ولكن لا يجوز أن يقرأ به ، لأن القراءة سنة متبعة ، فالأولى أن تجعل الجملة صفة ل « أُمَّةٍ » لا ل « خَيْرَ » ليتناسب الخطاب في قوله : « تَأْمُرُونَ » . قوله : لِلنَّاسِ فيه أوجه :

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 246 ) . ( 3 ) سورة النمل ، آية ( 55 ) . ( 4 ) سورة النمل ، آية ( 47 ) . ( 5 ) أخرجه البخاري 1 / 25 ، كتاب الايمان ( 30 ) . ( 6 ) انظر البيت في المنصف 1 / 165 ، أمالي القالي 2 / 79 ، الممتع 1 / 270 ، البحر 3 / 29 ، اللسان ( كثأ ) .